مركز الحرية والعدالة
مركز الحرية والعدالة

مسرح الصمود: كيف يستخدم طارق جرّار المسرح أداة للتغيير

من القدس إلى جنين، يحوّل طارق جرّار المسرح إلى وسيلة للتعبير والشفاء والعمل السلمي مع الأطفال والشباب في الضفة الغربية.

طارق جرّار يقود ورشة مسرح مع الأطفال

رحلة من القدس إلى جنين

بدأت الشرارة في قلب القدس التاريخي عام 2000. بالنسبة لطارق جرّار، انطلقت رحلته الفنية على خشبة المسرح الوطني، حيث قدّم عرضًا ثنائي اللغة يجمع بين الفرنسية والعربية. كان ذلك انطلاقة عميقة حدّدت مسار حياته. في عام 2001، نقل طارق هذا الشغف إلى الجامعة العربية الأمريكية، حيث تولّى قيادة فريق الدراما. لم يكن مجرد طالب، بل أصبح منظّمًا ثقافيًا يجمع العقول الإبداعية في فرقة واحدة. معًا، أعطوا صوتًا لمن لا صوت لهم، عبر عرض مسرحي صامت قوي جسّد مشاعر وتاريخ لاجئي عام 1948.

الفن كمحفّز للتغيير

مع تغيّر الواقع الإقليمي تحت وطأة الانتفاضة الثانية، وجد طارق نفسه يتنقل بين واقع الصراع، عاملًا مترجمًا لصحيفة لوموند الفرنسية المرموقة. ومع ذلك، لم يتزعزع إيمانه: المسرح ليس مجرد ترفيه، بل محفّز حيوي لكشف الجروح العميقة في المجتمع وتحليلها ومعالجتها. وعلى إثر ذلك، أرسل له أصدقاؤه من مختلف أنحاء العالم كتبًا أثرت فكره، من بينها عالم الشظايا لهارولد بينتر. تعمّق طارق في نفسيات الشخصيات المعقّدة، والرمزية البنائية، وديناميات السلطة داخل البيت، وأزمات الهوية، فكان الكتاب درسًا ثمينًا في آليات الدراما.

واصل طارق مساره الفكري بتحدّي نفسه بقراءة The Caretaker لبينتر باللغة الإنجليزية الأصلية. وعلى الرغم من أن طبقات النص كانت في البداية غامضة، فإن الغوص في النقد التحليلي العميق منحه وضوحًا مفاجئًا غيّر فهمه للفن الأدائي إلى الأبد.

بعد تخرّجه عام 2007 بدرجة البكالوريوس في التسويق، انتقل طارق من جنين إلى دبي. وبدلًا من ترك شغفه، انخرط فورًا في مجموعة دبي للدراما. وسط مكتبات واسعة ومصادر أدبية غنية، وسّع آفاقه الإبداعية عبر الشعر والمقالات وكتابة النصوص بالإنجليزية، وهو يحمل حلمًا دائمًا بإخراج مسرحيته الخاصة يومًا ما.

العودة إلى جنين

تحقّق هذا الحلم في 2016 عندما قرّر طارق العودة إلى جنين. بدافع التزامه العميق بالعمل السلمي على أرض الواقع، التقى بموسى أبو ماريا، مدير مركز الحرية والعدالة في بيت أمّر. كان ذلك لقاءً بين رؤيتين ورسالتين. كل صيف، يستضيف المركز مخيمًا سنويًا للشباب، يوفّر مساحة آمنة وحيوية لأطفال الضفة الغربية لاكتشاف قدراتهم عبر الرياضة والإبداع والتعبير. وتحت مظلة المركز، تولّى طارق ورشة مسرحية تحويلية باللغة الإنجليزية.

أمام مجموعة حيوية من 25 إلى 30 طفلًا، اختار طارق نواة ملتزمة لإنتاج مسرحي بعنوان The Lost Town. لم يعلّمهم فقط أساسيات الأداء، بل غرس فيهم حقيقة عميقة: المسرح وسيلة قوية لإيصال رسائل اجتماعية. بكلمات طارق نفسه، يجب أن تعكس المسرحية بجرأة معاناة المجتمع، لأن "الاعتراف بالمشكلة هو أقرب ما يمكننا الوصول إليه نحو حلّها". ومن خلال الفن، يواصل طارق وفرقته الصغيرة خطوات الشفاء، عرضًا بعد عرض.